ابن قيم الجوزية

348

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

ومن قام بقلبه هذا - معرفة وذوقا وحالا - صح له مقام التبتل ، والتجريد المحض . وقد فسر السلف « دعوة الحق » بالتوحيد والإخلاص فيه والصدق . ومرادهم : هذا المعنى . فقال علي رضي اللّه عنه : « دعوة الحق : التوحيد » وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما « شهادة أن لا إله إلا اللّه » وقيل : الدعاء بالإخلاص . والدعاء الخالص لا يكون إلا للّه . ودعوة الحق دعوة الإلهية وحقوقها وتجريدها وإخلاصها . درجات التبتل قال « وهو على ثلاث درجات . الدرجة الأولى : تجريد الانقطاع عن الحظوظ واللحوظ إلى العالم ، خوفا أو رجاء ، أو مبالاة بحال » . قلت : « التبتل » يجمع أمرين : اتصالا وانفصالا . لا يصح إلا بهما . فالانفصال : انقطاع قلبه عن حظوظ النفس المزاحمة لمراد الرب منه . وعن التفات قلبه إلى ما سوى اللّه ، خوفا منه ، أو رغبة فيه ، أو مبالاة به ، أو فكرا فيه . بحيث يشغل قلبه عن اللّه . والاتصال : لا يصح إلا بعد هذا الانفصال . وهو اتصال القلب باللّه ، وإقباله عليه ، وإقامة وجهه له ، حبا وخوفا ورجاء ، وإنابة وتوكلا . ثم ذكر الشيخ ما يعين على هذا التجريد ، وبأي شيء يحصل . فقال : « بحسم الرجاء بالرضى ، وقطع الخوف بالتسليم ، ورفض المبالاة بشهود الحقيقة » . يقول : إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك : هو الرضى بحكم اللّه عزّ وجلّ وقسمه لك . فمن رضي بحكم اللّه وقسمه ، لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع . والذي يحسم مادة الخوف : هو التسليم للّه . فإن من سلم للّه واستسلم له ، وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب اللّه له لم يبق لخوف المخلوقين في قلبه موضع أيضا . فإن نفسه التي يخاف عليها قد سلمها إلى وليها ومولاها . وعلم أنه لا يصيبها إلا ما كتب لها . وأن ما كتب لها لا بد أن يصيبها . فلا معنى للخوف من غير اللّه بوجه . وفي التسليم أيضا فائدة لطيفة . وهي أنه إذا سلمها اللّه فقد أودعها عنده . وأحرزها في حرزه . وجعلها تحت كنفه . حيث لا تنالها يد عدوّ عاد ولا بغي باغ عات . والذي يحسم مادة المبالاة بالناس : شهود الحقيقة . وهو رؤية الأشياء كلها من اللّه ، وباللّه ، وفي قبضته ، وتحت قهره وسلطانه . لا يتحرك منها شيء إلا بحوله وقوته . ولا ينفع ولا يضر إلا بإذنه ومشيئته . فما وجه المبالاة بالخلق بعد هذا الشهود ؟ قال « الدرجة الثانية : تجريد الانقطاع عن التعريج على النفس بمجانبة الهوى . وتنسّم روح الأنس ، وشيم برق الكشف » . الفرق بين هذه الدرجة والتي قبلها : أن الأولى انقطاع عن الخلق . وهذه انقطاع عن النفس . وجعله بثلاثة أشياء :